قبل أن نشرع في رحلتنا نتذكر قول «ريتشارد فينمان» حينما حاول توضيح ما هو العلم وتشبيهه بأنه كلعبة شطرنج سماوية، تقوم الآلهة بلعبها بتحريك القطع من مربع إلى الآخر، وما يربطنا بها ما هو إلا أننا لا نقوم إلا بتحليل تحركات تلك القطع لنصدر قوانين تعبر عن كيفيتها نتاج ملاحظتنا المستمرة، وفي كل مرة نكتشف حركة مخالفة لملاحظتنا السابقة فإننا نعيد وضع قوانينا مرة أخرى لنفسر كل تلك الإضافات الجديدة.

ولكننا رغم كل ذلك ما زلنا نناقش فقط تحركات تلك القطع ونسعى لإيجاد تفسيرات لها فقط وهي ما نعرفها بـ «الطبيعة»، دون أن نصل بعقولنا أو ليس هناك ما يستدعي للعلم بأن يبحث في تفسيرات ليتعرف على تلك الآلهة.


كيف حضرنا إلى هنا؟

من خلال بحثنا المستمر ومشاهدتنا الدائمة للحياة من حولنا تهوى نفوسنا معرفة ما وراء أصولنا، فننظر في كيف كانت البداية؟ بل كيف سارت حتى وصلنا إلى وجودنا هنا؟ ماذا حدث قبل أن نأتي؟ فكل ما نعرفه والشائع بيننا هو سلسلة مستمرة من الانقراضات المتتابعة ولا نعرف منها سوى القليل وهو ما نتداوله، ويراودنا حولها الكثير من التساؤلات مثل كيف ظهر هؤلاء أيضا ولماذا اختفوا؟ وهل اختفوا بالفعل؟ وهل سنقابل نفس المصير؟ علامات استفهام كثيرة وغيرها نبحث كل يوم عن إجابتها وكلما وصلنا إلى واحدة نكتشف تحركا جديدا يعيدنا مرة أخرى لصياغة كل ما توصلنا إليه، لذا علينا بأخذ الطريق من بدايته لنعلم كيف حضرنا إلى هنا؟

قبل يومنا الآن بما يقرب من 13.7 بليون سنة بدأ كل شيء بانفجار في ملايين الأجزاء من الثانية لحزمة من الطاقة أصغر من حجم الذرة

كل شيء بدأ بالكيمياء، ذلك العلم الذي يهتم بدراسة المواد، وبالأخص هو كيف تتفاعل الذرات وتندمج مكونة جزيئات، ثم تتفاعل بدورها مكونة أنظمة وتراكيب أكثر تعقيدا.

فقبل يومنا الآن بما يقرب من 13.7 بليون سنة بدأ كل شيء بانفجار في ملايين الأجزاء من الثانية لحزمة من الطاقة أصغر من حجم الذرة، لتنتشر حينها كميات هائلة من الطاقة في كل الفراغ المحيط، وبعدها بمئات الآلاف من السنين تظهر أول الصور التي ستشكل بداية الحياة، وكل شيء حولنا، وهي الذرات الأولى، ذرات الهيدروجين، وبمرور ملايين السنين الأخرى، وبوجود الطاقة والذرات الأولى تبدأ أول عمليات الاندماج بين الذرات، ليتكون عنصر جديد وهو الهيليوم.

ومع كل اندماج يتكون انفجار جديد مكونا كميات كبيرة أخرى من الطاقة، وهي ما نعرفه الآن بالنجوم، تلك الكتل الغازية الكبيرة المكونة من عنصري الهيدروجين والهيليوم، لتتوالى بعدها سلسلة كبيرة من الاندماجات فيتكون من الهيليوم والهيدروجين عنصرا جديدا وهو الليثيوم، وتقوم اندماجات جديدة بفعل الطاقة مكونة العديد من العناصر الأخرى مثل الكربون والأوكسجين والنيتروجين والحديد وغيرها.

ولكن الطاقة المنتشرة ليست كافية لتكوين كل العناصر التي نعرفها الآن، فكانت بحاجة إلى المزيد من الطاقة لتصبح قادرة على ذلك، وهي ما نتجت من انفجار تلك النجوم الأولى بعد ملايين السنين من تكوينها لما ندعوه بالمُستعراتِ العُظمى «Supernova» لتكون بذلك الكم من الطاقة العناصر الثقيلة كالنحاس واليورانيوم والذهب والزنك وغيرها.

وبعد ما يقرب من 9 بلايين سنة من ذلك الانفجار العظيم والكثير من المستعرات العظمى وتوفر العناصر اللازمة بدأت حينها واحدة من أهم الخطوات في وجودنا، تكونت الشمس التي نعرفها الآن مكونة حولها الكثير من الغبار والغازات لتلعب حينها الجاذبية باقي الدور الذي بدأته الذرات الأولى، وتبدأ الكواكب بالتكون في صورتها المشتعلة والساخنة، ومنها كوكبنا الذي كان عبارة عن كتلة نارية كبيرة من الحمم التي تدور بسرعة كبيرة حول نفسها لتشرق الشمس عليه لمدة 6 ساعات فقط.

بعد ما يقرب من 9 بلايين سنة من ذلك الانفجار العظيم والكثير من المستعرات العظمى وتوفر العناصر اللازمة بدأ تكون الشمس التي نعرفها الآن

مع تلك الحمم التي تحمل كل العناصر داخلها تبدأ عملية التوزيع فتتجه العناصر الأخف نحو السطح لتكون قشرة صلدة عليه، والعناصر الثقيلة نحو المركز لتكون لبا مذابا من الحديد والنيكل.

ومع تلك الحركة في اللب المذاب يتكون مجال مغناطيسي كبير من الجاذبية يصل إلى الفضاء ليكون السبب في جذب كتلة صخرية ضخمة بحجم كوكب المريخ الآن لتصدم بالأرض بسرعة تصل إلى 40 ألف كيلومتر في الساعة، لتبتلع الأرض داخل حممها المذابة جزءا كبيرا من تلك الكتلة الصخرية تاركة جزءا من البقايا المذابة تسبح حولها والتي في خلال فترة قصيرة من الزمن تمكنت الجاذبية من جمعها مكونة ذلك الجسيم الثانوي الذي يدور حول الأرض الآن وهو القمر.

تسبب اصطدام تلك الكتلة الصخرية بالأرض في جعلها متزنة في الميل على محورها، وهو ما سبب في وقتنا الآن تكوين الفصول الموسمية، كما أن تكوين القمر ساعد في الإبطاء من سرعة الأرض، وذلك نتيجة الجاذبية الموجودة بينهما، وهو ما أدى لمدة اليوم الذي نعرفه الآن، وهي 24 ساعة.

وبعد حوالي مليون سنة أخرى وانخفاض حرارة الأرض وتوفر أغلب العناصر التي تحتاجها، كان ينقص المكون الأساسي لتنشأ منه الحياة وهو الماء، والذي كان ينتشر على هيئة بخار لتبدأ بعدها الأمطار بالهطول في درجة الحرارة المناسبة لنزوله ويستمر لسنين عدة لتتكون المحيطات الدائمة التي نراها حولنا، لتبدأ معها ومن تلك اللحظة أول صور الحياة التي ستتطور لبلايين السنين بعدها لتصل إلينا ونخطو أولى خطواتنا على تلك الأرض التي اقتربت من أن تصبح جاهزة للعيش عليها.


كيف بدأت الحياة؟

بداخل تلك المحيطات الكبيرة المتكونة في كل مكان بدأت عمليات جديدة من الاندماج، الهيدروجين والأوكسجين والنيتروجين والكربون والفوسفور والكبريت، تلك العناصر الستة التي قامت بالاجتماع معا لتكون في النهاية الحمض النووي أول شفرات الحياة، لتتكون أول صورة لكائن حي وهي البكتيريا التي ما زالت تعيش حولنا وبداخل أجسمنا حتى الآن، والتي سنأتي منها، ولكن كيف تطورت تلك الكائنات الدقيقة لتكون المصدر الأول لكل تلك الكائنات التي نعرفها حاليا؟


Astro News

ترجمة الموقع

Arabic English French